قضية تهريب المهاجرين: بطلان الإدانة بسبب القصور في التسبيب والاستدلال وفق قانون الإجراءات الجنائية
حكم محكمة النقض في قضية تهريب المهاجرين يكشف عن قصور في التسبيب والاستدلال، مما أدى إلى نقض الحكم. يناقش القرار متطلبات تسبيب الأحكام وفق المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية، ويوضح أهمية بيان الأدلة بشكل واضح. كما يسلط الضوء على معايير إثبات الجريمة وفق القانون رقم 82 لسنة 2016 بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية. الحكم يؤكد ضرورة بناء الإدانات على أدلة يقينية، وليس مجرد تحريات الشرطة. يعزز هذا القرار مبدأ العدالة الجنائية وحماية حقوق المتهمين.
حكم محكمة النقض في قضية تهريب المهاجرين: أسباب بطلان الإدانة والقصور في التسبيب والاستدلال وفق قانون الإجراءات الجنائية
وجوب تسبيب الحكم بالإدانة
نصت المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية على ضرورة أن يشتمل الحكم بالإدانة على الأسباب التي بني عليها، وإلا كان باطلاً. المقصود بالتسبيب المعتبر هو تحديد الأسانيد والحجج التي بُني عليها الحكم، سواء من حيث الواقع أو من حيث القانون. يجب أن يكون التسبيب واضحًا ومفصلًا بحيث يمكن الوقوف على المسوغات التي استند إليها الحكم، وأن يورد أدلة الثبوت ويذكر مؤداها بشكل وافٍ حتى يتضح وجه استدلاله بها.
أما إذا جاء الحكم بعبارات عامة ومجملة، فإنه لا يحقق الغرض الذي قصده المشرع من تسبيب الأحكام، كما لا يمكن محكمة النقض من مراقبة صحة تطبيق القانون على الواقعة كما أُثبتت في الحكم. ومن المقرر كذلك أن المحكمة يجب أن تورد الأدلة التي استندت إليها وبيان مؤداها في حكمها بشكل كافٍ، فلا يكفي مجرد الإشارة إليها، بل ينبغي ذكر مضمون كل دليل ومدى تأييده للواقعة كما اقتنعت بها المحكمة.
قصور الحكم في بيان الواقعة
جاء الحكم المطعون فيه قاصرًا في بيان واقعة الدعوى، حيث اقتصر على ذكر أن البشرية عرفت جريمة الهجرة غير الشرعية منذ القدم، وتحولت إلى ظاهرة اجتماعية خطيرة تهدد استقرار الدول. وأضاف أن المتهمين كونوا فيما بينهم تشكيلًا عصابيًا لاستغلال حاجة الأفراد للهجرة غير الشرعية، وقاموا بالاحتيال على المجني عليهم بإيهامهم بقدرتهم على تهريبهم إلى دولة أخرى مقابل مبلغ مالي، إلا أن محاولتهم باءت بالفشل بسبب ضبطهم من قبل السلطات.
ومع ذلك، لم يوضح الحكم بدقة الأفعال التي قارفها الطاعنون أو تفاصيل تنفيذ الجريمة، ولم يستظهر عناصر الجرائم المنسوبة إليهم، مما يجعل الحكم معيبًا بالقصور في بيان الواقعة والأدلة التي استند إليها.
قصور الحكم في إيراد الأدلة
لم يبين الحكم المطعون فيه الأدلة التي استند إليها بشكل واضح، حيث اكتفى بالإشارة إلى أقوال بعض الشهود دون بيان مضمون شهاداتهم بطريقة تفصيلية تتيح لمحكمة النقض مراقبة صحة الاستدلال بها. كما لم يوضح مدى انطباق التعريفات والشروط التي أوردها القانون رقم 82 لسنة 2016 بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية على الواقعة المطروحة، مما يجعل الحكم قاصرًا في بيان أركان الجريمة وأدلتها.
تعريف الجماعة الإجرامية المنظمة
نصت المادة الأولى من القانون رقم 82 لسنة 2016 على أن الجماعة الإجرامية المنظمة هي تلك التي تتألف من ثلاثة أشخاص على الأقل وفق تنظيم معين للعمل بصفة مستمرة أو لمدة زمنية بهدف ارتكاب جريمة محددة، ومنها جريمة تهريب المهاجرين. ولا يشترط أن يكون لأعضائها أدوار محددة أو أن تستمر عضويتهم فيها.
أما تهريب المهاجرين، فيُقصد به تدبير انتقال شخص أو أشخاص بطرق غير مشروعة من دولة إلى أخرى للحصول على منفعة مادية أو معنوية.
غياب الدليل اليقيني على الجريمة
بعد استعراض أوراق الدعوى والتحقيقات، لم يتبين للمحكمة وجود دليل يقيني على أن المتهمين نظموا وأداروا جماعة إجرامية بغرض تهريب المهاجرين. فقد خلت أدلة الثبوت التي قدمتها النيابة العامة من أي دليل قاطع يثبت ارتكابهم للجريمتين المنسوبتين إليهم. كما لم تتضمن أقوال المجني عليهم أي اعتراف صريح بتورط المتهمين في عملية التهريب، حيث اقتصر الاتفاق معهم على استصدار تأشيرة دخول صحيحة إلى الدولة الأجنبية، دون أن يكون هناك دليل على استخدام وسائل غير مشروعة.
عدم توافر أركان الشروع في الجريمة
لم يثبت من وقائع الدعوى أن المتهمين بدأوا في تنفيذ فعل من شأنه أن يؤدي فورًا ومباشرة إلى ارتكاب جريمة تهريب المهاجرين، وهو ما يتطلبه القانون لاعتبار الجريمة في مرحلة الشروع. كما لم يتم ضبط أي وثائق سفر مزورة أو أي وسائل أخرى تدل على شروعهم في تنفيذ الجريمة.
حتى الأدلة المادية، مثل المحادثات الهاتفية التي تضمنت صور تأشيرات وعقود سفر، لا ترقى إلى مستوى الدليل القاطع على ارتكاب الجريمة. كما أن تحريات الشرطة وأقوال مجريها لا تصلح بمفردها كدليل إدانة، إذ إنه من المقرر قانونًا أن الأحكام يجب أن تُبنى على أدلة يقينية، لا على مجرد قرائن أو تحريات شرطية.
الحكم ببراءة المتهمين
بما أن الأحكام الجنائية يجب أن تُبنى على الجزم واليقين وليس على الشك والاحتمال، فإن المحكمة ترى أن الاتهام المسند إلى المتهمين يحيط به الشك الكبير، مما يستوجب الحكم ببراءتهم من التهم المنسوبة إليهم، وفقًا لنص المادة 304/1 من قانون الإجراءات الجنائية.
المحكمة
نعي الطاعنين على الحكم حيث إن الطاعنين ينعون - بمذكرتي أسباب الطعن - على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانهم بجريمتي تنظيم وإدارة جماعة إجرامية منظمة لتهريب المهاجرين والشروع في تهريب المجني عليهما حال كون أحدهما طفلاً بطريقة غير شرعية مقابل الحصول على منفعة مادية وكان من شأن الجريمة تهديد حياة من يجري تهريبهما وتعريض صحتهم للخطر، قد شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال.
قصور الحكم في التسبيب ذلك أن الحكم صيغ في عبارات عامة معماة وبصورة مجملة خلت من بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة ومؤدى الأدلة التي عول عليها في قضائه بياناً كافياً تتحقق به أركان الجريمتين اللتين دانهم بهما، بالمخالفة لنص المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية، مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
وجوب تسبيب الأحكام وفق القانون وحيث إن الشارع يوجب في المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية أن يشتمل الحكم بالإدانة على الأسباب التي بُني عليها وإلا كان باطلاً، والمراد بالتسبيب المعتبر تحديد الأسانيد والحجج المبني هو عليها والمنتجة هي له سواءً من حيث الواقع أو من حيث القانون.
شروط صحة التسبيب لكي يحقق التسبيب الغرض منه يجب أن يكون في بيان جلي مفصل بحيث يستطاع الوقوف على مسوغات ما قضى به، وأن يورد أدلة الثبوت التي استند إليها في الإدانة ويذكر مؤداها في بيان واف حتى يتضح وجه استدلاله بها. أما إفراغ الحكم في عبارات عامة معماة أو وضعه في صورة مجملة مجهلة فلا يحقق الغرض الذي قصده الشارع من إيجاب تسبيب الأحكام ولا يمكن محكمة النقض من مراقبة صحة تطبيق القانون.
قصور الحكم في بيان الواقعة لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد اقتصر في بيانه لواقعة الدعوى على قوله: (وحيث إن واقعة الدعوى حسبما استقرت في عقيدة المحكمة واطمأن إليها وجدانها مستخلصة من سائر أوراقها وما تم فيها من تحقيقات ودار بشأنها بالجلسة، تخلص في أن البشرية عرفت جريمة الهجرة غير الشرعية منذ القدم...).
عدم بيان تفاصيل الجريمة وظروفها وكان الشارع يوجب في المادة 310 من قانون الإجراءات الجنائية أن يشتمل كل حكم بالإدانة على بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة بياناً تتحقق به أركان الجريمة والظروف التي وقعت فيها، وأن تلتزم بإيراد مؤدى الأدلة التي استخلصت منها الإدانة حتى يتضح وجه استدلالها بها وسلامة مأخذها وإلا كان قاصراً.
عدم استيفاء الحكم لمقتضيات المادة 310 وكان الحكم المطعون فيه لم يبين بوضوح سواءً في معرض إيراده واقعة الدعوى أو في سرده لأدلة الثبوت فيها تفصيل الوقائع والأفعال التي قارفها الطاعنون والمثبتة لارتكابهم الجريمة. كما لم يوضح مدى انطباق التعريفات والشروط التي أوردها القانون رقم 82 لسنة 2016 بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المهاجرين ولائحته التنفيذية على ما حملته الأوراق.
عدم بيان الأدلة الدالة على الإدانة لم يبين الحكم الأدلة الدالة على ذلك بياناً يوضحها ويكشف عن قيامها من واقع الدعوى وظروفها بل جاءت مدوناته كاشفة عن قصوره في بيان الواقعة المستوجبة للعقوبة بياناً تتحقق به أركان الجريمتين، مما يعجز محكمة النقض عن مراقبة صحة تطبيق القانون على الواقعة.
استعداد المحكمة للفصل في الدعوى ولما كانت الدعوى بحالتها هذه صالحة للفصل في موضوعها - بعد ضم المفردات - دون حاجة إلى تحديد جلسة لنظرها، فإن المحكمة تعرض لموضوع الدعوى عملاً بحقها المقرر بالفقرة الأخيرة من المادة 39 من القانون رقم 57 لسنة 1959 في شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض المعدل بالقانون رقم 11 لسنة 2017.
اتهامات النيابة العامة للمتهمين وحيث إن النيابة العامة أسندت إلى المتهمين أنهم: 1- نظموا وأداروا جماعة إجرامية منظمة لأغراض تهريب المهاجرين. 2- شرعوا في ارتكاب جريمة تهريب مهاجرين بطريقة غير شرعية.
وطلبت عقابهم وفقاً للمواد ذات الصلة من قانون مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المهاجرين.
أدلة الثبوت التي قدمتها النيابة ارتكنت النيابة العامة إلى شهادة المجني عليه الأول والثاني وشهادة الرائد المختص بمكافحة الهجرة غير الشرعية، بالإضافة إلى تحريات الشرطة وبعض الأدلة المادية.
إنكار المتهمين للتهم الموجهة إليهم حيث أنكر المتهمون ما أسند إليهم من اتهام بالتحقيقات، وأضاف الأول والثاني منهم بقيامهما بالعمل كوسطاء لشركات تسفير مرخصة للعمل بالخارج.
تعريف الجماعة الإجرامية وفق القانون يبين من نص المادة الأولى من القانون رقم 82 لسنة 2016 أن الجماعة الإجرامية المنظمة تتكون من ثلاثة أشخاص على الأقل للعمل بصفة مستمرة بهدف ارتكاب جريمة معينة مثل تهريب المهاجرين للحصول على منفعة مادية أو معنوية.
عدم كفاية أدلة الإدانة حيث إنه كان الثابت للمحكمة من استعراضها لأوراق الدعوى وما ورد في أدلة الثبوت أن تلك الأدلة خلت من دليل يقيني على أن المتهمين نظموا وأداروا جماعة إجرامية، كما أن ما ساقته النيابة لا يقطع بثبوت الجريمة في حقهم.
عدم تحقق أركان جريمة الشروع في التهريب إذ إن الشروع هو البدء في تنفيذ فعل بقصد ارتكاب جريمة إذا أوقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل لإرادة الفاعل فيها، وهو ما لم يتوافر في الدعوى الراهنة، لا سيما وأنه لم يتم ضبط وثيقة سفر أو هوية مزورة.
عدم صلاحية التحريات كدليل إدانة كما أن تحريات الشرطة لا تنهض بمجردها دليلاً على الإدانة، إذ إن الأحكام يجب أن تبنى على الأدلة القاطعة وليس على التحريات وحدها.
غياب اليقين في الاتهام ولما كان من المقرر أن الأحكام الجنائية يجب أن تُبنى على الجزم واليقين من الواقع الذي يثبته الدليل المعتبر، فإن الاتهام المسند إلى المتهمين يظل محوطاً بشك كبير ولا تطمئن المحكمة إليه.
الحكم
الحكم النهائي ببراءة المتهمين
مما يتعين معه الحكم ببراءة المتهمين من التهمتين المسندتين إليهم، عملاً بنص المادة 304 /1 من قانون الإجراءات الجنائية.
أميت السر نائب رئيس المحكمة